في الحاجة إلى وطن يتساوي فيه الجميع..
جريدة طنجة – محمد العمراني ( *)
الثلاثاء 08 نوفمبر 2016 – 12:21:16
فاجعة بائع السمك، محسن فكري، بالحسيمة، وردة الفعل الغاضبة التي عبر عنها الشعب المغربي في جميع مدن المملكة، أكدت لمن لا يزال في حاجة إلى دليل أن الشعب المغربي تغير كثيرا منذ حراك 2011…
المصيبة أن القاسم المشترك وراء العديد من الفواجع التي هزت المغرب مؤخرا، من فتيحة بائعة البغرير بالقنيطرة، التي أحرقت نفسها، إلى بائع السمك محسن فكري، الذي فرمته آلة ضغط النفايات بشاحنة أزبال، نجد “حكرة” هذا المسؤول أو ذاك، وسوء معاملته للمواطنين..
للأسف لازالت عقلية التسلط تعشش في عقول الكثير من المسؤولين، بمختلف درجاتهم، حتى الدنيا منها…
بعد عقود طويلة على استقلال المغرب، وبعد الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب المغربي، وقواه الحية في سنوات الجمر والرصاص لإقرار دولة الحق والقانون، وبعد حراك 20 فبراير، وما ترتب عنه من دستور جديد، شكل نقطة تحول فارقة في مسار الشعب المغربي نحو بناء دولة المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة…
رغم كل هاته التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، فإن عقلية التسلط والحكرة والعنترية لازالت مترسخة في دواليب الإدارة المغربية، ولا زال المسؤول حتى ذاك الموظف البسيط لم يستوعب بعد أن الإدارة موضوعة لخدمة المواطن، بل يتصرف وكأنه يمن عليه، وأن من حقه أن يتعسف و يتعنتر، بل ومن حقه أن يضرب القوانين عرض الحائط، وأن يفرض قانونه الخاص…
المؤلم حقا، هو أن ضحايا عسف الإدارة وجبروت مسؤوليها هم دائما من الطبقات الشعبية المسحوقة، التي تجاهد لضمان قوت يومها بالكد والنحت في الصخر، و تصارع من أجل البقاء دون التفريط في الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية…
لم نسمع قط أن أحد أفراد عائلة ذات جاه ونفوذ، أو مسؤول نافذ، ذهب ضحية شطط في استعمال السلطة، أو تعرض للحكرة من طرف مسؤول مهما صغر أو كبر شأنه، أو سدت في وجهه أبواب الإدارة..
على العكس من ذلك تماما…
تصبح الإدارة رهن إشارته، وتصير مطالبه ورغباته أوامر تنفذ في الحال، ولو تطلب الأمر الدوس على القانون..
وهذا السبب بالذات هو الذي يدفع الشعب المغربي اليوم للخروج بكل هاته الكثافة، ليعبر عن غضبه ورفضه القاطع لهذا الفرز، الذي يفصل الشعب إلى طبقتين:
المحظوظون الذين يستفيدون من كل شيئ، وتفتح في وجوههم الأبواب، ويستنزفون خيرات الوطن..
والكادحون الذين يعاقبون بالصفع والشتم، ويعاملون باحتقار، فقط لأنهم اختاروا أن الصمود في وجه هذا الواقع المر، وأن يكسبوا لقمة عيشهم بكرامة…
قد يقول قائل أن هؤلاء غالبا ما يصرون على خرق القانون، والدولة لا يمكن أن تظل مكتوفة الأيدي، وإلا ستغرق البلد في الفوضى..
كلام معقول ومنطقي، بل هو عين الصواب..
التعاطف الشعبي الحاشد مع ضحايا عقلية الحكرة والتسلط التي لازالت تعشش داخل الإدارة المغربية، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن المغاربة اليوم يطالبون بأن يكون الجميع سواسية أمام القانون، لا تمييز لهذا على ذاك، فقط لأنه شخص نافذ، ذو مال وجاه…
لا يمكن أن تقنع المواطن البسيط باحترام القانون، وهو يشاهد يوميا كيف يتم لي عنق القانون لفائدة من يدفع أكثر، ولمن يملك النفوذ…
المغرب اليوم أمام مفترق طرق لا مفر منه..
إما اختيار طريق دولة الحق والقانون، بما تفرضه من حقوق وواجبات، وبما تقتضيه من إخضاع الجميع لسلطة القانون بغض النظر عن وضعه وثروته…
وإما الإبقاء على نفس النهج، والذي سيقود البلاد حتما نحو المجهول..
والبقية تعرفونها جيّدًا….
















